الإيجابية حياة الأفراد والمجتمعات (6)
10-تحمي العرض وتسترد الأرض وتحقق النصرة للمسلمين
جاء الإسلام ليحافظ على الضروريات الخمس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال.
وهناك من يجعل حفظ العرض بدلاً من حفظ النسل، وعلى كلٍ فإن الحفاظ على العرض من المقاصد الضرورية، أو مما يلحق بها.
ونتيجة لنـزغ الشياطين بين بني البشر يحدث الاعتداء على العرض والأرض، وإذا لم يهب أحد لدفع هذا الاعتداء لفسدت الأرض، والمدقق يرى أن هناك فئتين تتحملان مسئولية دفع هذه الأمور:
الأولى: هي من وقع عليها الاعتداء، وذلك بتحركها لدفعه عنها، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَقُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قَاتَلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» [1].
والثانية: هي التي تحضر وتشهد هذا الاعتداء، والواجب عليها أن تدفعه، وألا تخذل من وقع عليه إهانة عرضه أو اغتصاب أرضه، أو ما شابه ذلك، ففي الحديث يقول الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» [2].
ففي هذا الحديث الشريف الجامع المانع بشارات ونذارات بيّنها لنا الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم؛ حيث إن الإنسان المسلم الإيجابي الذي ينصر أخاه، ويمنع عنه الظلم الواقع عليه، وينافح عن حرمته، ويذود عن عرضه، يسخر الله I له من ينصره في وقت يكون فيه في مسيس الحاجة إلى من ينصره، ويدفع عنه الظلم الواقع عليه، وبيّن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أن الإنسان الأناني السلبي الذي لم يعلم من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، الذي لا يتمعر وجهه من أجل انتهاك عرض مسلم، والذي لا ينصر أخاه في وقت حاجته إليه، أن الله U سيخذله في وقت يحب فيه أن ينصر، وهيهات… هيهات فقد سبق الامتحان وفات الأوان.
والأمثلة كثيرة في أناس هبوا عندما انتهكت الأعراض أو اغتصبت الأراضي، فحموا العرض والأرض، فـ«عن أبي عون قال: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديًّا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاصطرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع» [3].
فما النسب بين هذا المسلم هذه المسلمة، إنه نسب الإيمان الذي لا يعلوه نسب، لقد هلك دون عرض هذه المرأة ولم يخش كثرة يهود في سوقهم، ولكن الحمية لانتهاك ما حرمه الله جعله يفتدي عرض هذه المرأة بنفسه، وكفى بفعله هذا شرفًا.
هذا الرجل الذي لم نعرف عنه شيئًا، وما يضيرنا في عدم معرفة اسمه، إن الضرر كل الضرر ألا نجعل هذا الفعل نبراسًا نقتدي به في حياتنا.
وهذه الإيجابية في المجتمع المسلم كانت تدب في كل أوصاله، وكل زواياه، وتسري من القاعدة إلى قمة الهرم الاجتماعي والسياسي؛ فإذا كان ما سبق من مسلم لم نعرف عنه شيئًا، فإننا نجد كذلك الخلفاء الأوائل يقومون بأعمال مجيدة سطرها لنا التاريخ، منها ما قام به المعتصم من فتح لعمورية، «وكان سبب فتح المعتصم عمورية أن امرأة من الثغر سبيت، فنادت: وا محمداه… وا معتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش فلما فتحها قال: لبيك أيتها المنادية» [4].
ومن المواقف العظيمة التي تجلت فيها الإيجابية التي حققت النصرة للمسلمين رغم الظروف الصعبة التي أحاطت بهم من قلة في العدد والعداد، ومحاربتهم لجيش عرمرم يسد الأفق مدجج بالسلاح، تأتي غزوة مؤتة والتي حكى قصتها عبد الله بن جعفر فقال: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ × جَيْشًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ: «فَإِنْ قُتِلَ زَيْدٌ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرٌ، فَإِنْ قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ». فَلَقُوا الْعَدُوَّ فَأَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَتَى خَبَرُهُمْ النَّبِيَّ × فَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ لَقُوا الْعَدُوَّ، وَإِنَّ زَيْدًا أَخَذَ الرَّايَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ بَعْدَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ أَوْ اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ» [5].
فلولا إيجابية هؤلاء الجبال الشوامخ والأبطال الفوارس لما عرف كل واحد منهم واجبه، ولما أدى ما عليه من تكاليف، فهذا زيد حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي شرفه الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- في العالمين عندما أعلن تبنيه إلا أن الحق أبى إلا أن يرد الحق إلى أهله فحرم التبني- يتولى إمارة الجيش حتى تفيض روحه، وتخرج أنفاسه الطاهرة حتى تستقر في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فيأتي من بعده الفارس الهمام والبطل المقدام الشهيد الطائر ذو الجناحين جعفر بن أبي طالب فيحمل الراية بتكليف من سيد البشرية -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي ألقى بالمسئولية على عاتقه، فما كان له بد من حملها والنهوض بواجبها حتى قدّم مهرها ودفع ثمنها من أجلّ ما يقدم مهرًا، ومن أغلى ما يدفع ثمنًا، فأمهرها روحه الطيبة الطاهرة النقية التقية حتى قال في حقه سيد الخلق وحبيب الحق الذي لا ينطق عن الهوى في مراسم تشييعه وتكريمه السماوية التي أبت أن تكون أرضية: «رَأَيْتُ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَلَكًا يَطِيرُ فِي الجَنَّةِ مَعَ المَلائِكَةِ بِجَنَاحَيْنِ» [6]، فأنعم به من تكريم، وأجمل به من تشييع، وما أجملها منزلة تلك هي التي فتحت أبوابها من أجله، ألا وهي الجنة التي عرضها كعرض السموات والأرض فانطبق عليه قول القائل:
واعمل لدار غد رضوان خازنها
قصورها ذهب والمسك طينتها
من يشتري الدار في الفردوس ي



































